الإسكندرية كمان وكمان

[????? ??? ??????????. ????? ???? ???] [????? ??? ??????????. ????? ???? ???]

الإسكندرية كمان وكمان

By : laurence Deschamps Laporte

يذكّر اسم مدينة الإسكندرية المصرية خارج الشرق الأوسط بصور منارة المدينة، التي هي إحدى عجائب العالم القديم السبع، أو بمكتبة الإسكندرية القديمة. وترمز كلٌّ من المنارة والمكتبة إلى عصر ذهبيٍّ للثقافة والمعرفة. وإذا ما وضعنا الصرحين التاريخيين جانباً، نرى أن الغرب نظر إلى هذه المدينة الساحلية كواحة للتسامح الديني والثقافي والسياسي، وكملاذ كوزموبوليتاني (عالمي) حقيقي، لكنه يختفي. وتستعيد وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنكليزية اليوم، وعلى نحو متكرر، صوراً مشابهة غامضة عن ماضي الإسكندرية. فالأحاديث عن المدينة تبدأ بوصف كوزموبوليتانية “سابقة” أو “كوزموبوليتانية كانت موجودة مرة”. أما النبرة فهي “نبرة حنين” بشكل متواصل إلى هذه الكوزموبوليتانية المتلاشية، وهو حنين تتم مقارنته مع “صعود السلفية” في الإسكندرية، الهوية الدينية المرتبطة بالمدينة منذ الثورة المصرية في 2011.

حين نفكّر بهذه الخطابات الرائجة عن الإسكندرية، والتي ينشر معظمها “غرباء” عن المدينة، وتبزغ داخل المدينة أيضاً على نحو متقطّع، (1) ينبغي أن نطرح عدة أسئلة كي نفكك هذه التصويرات: هل سبق أن كانت الإسكندرية كوزموبوليتانية، وهل ما تزال هكذا اليوم؟ ولماذا هناك ميل لمجاورة حقبتين تاريخيتين متخيلتين للإسكندرية (“الماضي الكوزموبوليتاني السابق” و”الحاضر السلفي”، على حساب فترات تاريخية أخرى؟ أعالج هذه الأسئلة فاحصاً صور إسكندرية كوزموبوليتانية في الأدب الغربي، ومقارناً هذا الوصف مع استبصارات جمعتُها من فترات مطوّلة من الوقت قضيتها في الإسكندرية منذ ثورة 25 يناير، ومن عمل باحثين آخرين اقترحوا طرقاً بديلة لتعريف الكوزموبوليتانية الإسكندرانية. 

تتسم جماعة كوزموبوليتانية، أو مكان كوزموبوليتاني، بتبادلات ثقافية ذات طابع تعددي، وتسامح وشعور مشترك بالانتماء إلى جماعة كونية، مما يقود غالباً إلى ازدهار الحياة الفكرية والفنية. وتتوضع رؤية كوزموبوليتانية في قلب كثير من الأعمال الأدبية التي غذّت الخيال الغربي حول الإسكندرية، مثل كتاب إي.م. فورستر “الإسكندرية: تاريخ ودليل” (1922)، وأشعار قسطنطين كفافيس (تقريباً من 1891- 1904). وصوّرتْ رواية “رباعية الإسكندرية” (1957- 1960) المشهورة للورانس داريل، على نحو مشابه، حياة الكوزموبوليتيين التي صاغتها بيئتهم، والذين كانوا يتنقلون من حفلات الرقص الجميلة في فندق سيسل إلى حفلات العشاء في الأتوال، ومن قصص الحب في شقق الدبلوماسيين والمفكرين الأوربيين إلى عوالم المتعة في المواخير على شاطئ البحر.

إن القصص الأدبية أرشيف خيالي ويجب ألا تُعدّ أنثروبولوجيا أو علم اجتماع. مع ذلك، عاش المؤلفون الثلاثة في المدينة: كان كفافيس إسكندرانياً من أصل يوناني، وعمل إي.م. فورستر في الإسكندرية مع الصليب الأحمر أثناء الحرب العالمية الأولى، وعاش داريل في المدينة لمدة أربع سنوات في أواخر الأربعينيات. كانوا ضمن هذا الجو. وليست الطريقة التي يصورون بها الإسكندرية خيالية فحسب، بل متعلقة بالسيرة ذاتية أيضاً في بعض النواحي. وقد أغنت هذه الأعمال الأدبية الخيال الغربي عن الإسكندرية (حققت روايات داريل أفضل المبيعات وأعيدت طباعتها عدة مرات)، لكن تصويرها لكوزموبوليتانية الإسكندرية يجب ألا يُعتمد كتمثيل لكيف جرب معظم سكان المدينة المدينة الساحلية، أو على نحو أسوأ، يجب ألا يُنظر إليه على أنه يشمل كل الجماعات التي دعت هذا المكان وطناً.

في الحقيقة، إن العرب (2)، مغيّبون في هذا التصوير الكوزموبوليتاني. ففي رباعية داريل، ما يدعى بـ“الحي العربي” هو مكان القاذورات حيث يعيش أشباه بشر يتضورون جوعاً. ذلك أنّ دارلي، الشخصية المحورية في الرواية، يتنزه في “الشارع المظلم الملطّخ بالعرب”.(3). وحين يسمع العربية، تبدو غير مألوفة، وتُنطق بصوت نشاز مليء بـ “التعنيفات”. بالإضافة إلى الذين أشير إليهم بأنهم “عرب”، تتضمن روايات داريل وصفاً موسّعاً لعاهرات سوريات، استؤجرن ليمتّعْن الدبلوماسيين والمفكرين الأوربيين الفقراء، وأحياناً اتُّهمْنَ بأنهنّ سبب “الأمراض التناسلية” التي تنتقل بسرعة. ما يشار إليه بأنه”كوزموبوليتانية” في هذا السياق إقصائي ضمنياً، ومتأصل في الطرق الاستعمارية في رؤية “الآخر”. إنه موزاييك من المتع الأوربية والطبقية الليبرالية التي تخفي أغلبية عربية تمر أنشطتها دون أن تُلاحَظ، والتي يُحط من قدرها ـ حين يقر بها بشكل وجيز ـ وتوصف بأنها قذرة. إن الكوزموبوليتانية محدودة في مداها، ومحملة بالدلالات الإثنية والطبقية.

 

\"\"

[أحد الشوارع المزدحمة في حارة العطارين، الإسكندرية. تصوير محمد قطب.]

\"\"

[لقطة لمطعم ديليس في الإسكندرية الذي افتتح عام 1922. تصوير محمد قطب.]

ينظر هؤلاء المؤلفون إلى “الكوزموبوليتانية الأوربية” كمتلاشية فيما هم يجربونها. ويرى خالد فهمي  أن الإسكندرية رُبطتْ على الدوام بـ “الخسارة” في الخيال الغربي، واعتُقد أنها في حالة تدهور دورية. ويذكر فهمي كيف أن إي.م. فورستر في كتابه “الإسكندرية: تاريخ ودليل” يحمل مسؤولية هذه الخسارة للفتح “العربي” لهذه المدينة في 682. وتنظر هذه القراءة المتمركزة أوربياً للتاريخ إلى الفتوحات كبداية “ألف عام من الصمت”، ألفية مظلمة يُعتقد أن حكم الخديوي العثماني محمد على باشا (الذي حكم من 1805 إلى 1848 ) قاطعها لمدة وجيزة. أما الفترة الطويلة الممتدة بين 682 و1805 فهي ممحوة من التاريخ، فيما حُطَّ من قدر العهود الفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية الأولى على أنها غير ذات صلة. إن ما دعي بالكوزموبوليتانية عادت بالتدريج إلى المدينة ووصلت إلى أوجها أثناء الاحتلال البريطاني لمصر. لهذا السبب، يُذكر النصف الأول من القرن العشرين، إعادة تأهيل المشروع الاستعماري، من أجل التسامح مع اليهود واليونانيين والطليان والأوربيين الآخرين، وينتهي، بحسب هؤلاء الرواة، مع مشروع ناصر السياسي. ففي فيلم وثائقي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) يعود إلى عام 1977 عنوانه “روح المكان”، يعود داريل إلى المدينة، ويندب الموجة الثانية من الكوزموبوليتانية التي انتهت. ويشير فهمي أن داريل شجب الإسكندرية لأن الحياة الثقافية غادرتْها معبراً عن مخاوفه من “أن ثورة ناصر الاشتراكية القمعية دمرت المدينة”.      

بعد عقود، واصل الصحفيون والكتاب استحضار ما يدعى بالكوزموبوليتانية التي صورها أولئك المؤلفون. لكن اليوم، بدلاً من لوم مشروع ناصر القومي والاشتراكي على فقدان الكوزموبوليتانية، يحمّلون الصعود المفاجئ للسلفية المسؤولية عن ذلك. وتهيمن هذه الثنائية الجديدة على التغطية الغربية للإسكندرية في وسائل الإعلام. ذلك أن جيمس تروب جسّد هذا الخطاب الثنائي في مقالة نشرها في كانون الأول\\ديسمبر 2014 في مجلة “فورين بوليسي” بعنوان “المنارة تبهت” يصف فيها الإسكندرية بأنها كانت “مرة القلب الكوزموبوليتاني النابض للعالم العربي، لكنها الآن قاعدة السلفيين المصريين، مقر حركة إسلامية متشددة ربطت ثرواتها برئيس البلاد الأوتوقراطي الجديد”.  وبعد أن درستُ الحركة السلفية (والتي تُعدَّ الدعوة السلفية ممثلها الرئيسي) في الإسكندرية وكتبت عنها في السنوات القليلة الماضية، أستطيع أن أشهد بأن صعود الحزب، والمنظمة الدينية التي خلفه، مثيران للانتباه ومليئان بالتعقيدات في آن. وهما يستحقان بالفعل الانتباه الصحفي والبحثي.  فضلاً عن ذلك، إن وجود الحركة وأهميتها في المدينة يجب ألا يشوّها رؤيتنا للإسكندرية، التي تفور بحركات وديناميات متعددة، وأحياناً تبدو متناقضة ظاهرياً. إن التفكير بالإسكندرية بأنها كانت مرة مدينة كوزموبوليتانية صارت مرتعاً للسلفية اختزالي ومضلل. وكما أشار عمرو علي في محاضرة مؤخراً: “إن إحياء هذه الكوزموبوليتانية السابقة، والإشارة بشكل غير نقدي إليها، فعل واع يتم في ضوء تركيبة ذهنية أمنية”. إن هذه التركيبة الذهنية الأمنية تنظر بهوس إلى مجتمعات الشرق الأوسط من خلال عدسات حركاتها الإسلامية. 

لا شك أن هناك حركة سلفية قوية في الإسكندرية. فالدعوة السلفية، العمود الفقري للحزب السلفي الرئيسي (حزب النور)، تأسست في الإسكندرية في السبعينيات، وجعلت المدينة قاعدة لها منذ ذلك الوقت. وقد فاجأ حزب النور النقاد حين احتل المرتبة الثانية بعد الإخوان المسلمين في الانتخابات البرلمانية المصرية في 2011 بعد أن حصل على 27٪ من الأصوات. وبعد صيف 2013، قرر حزب النور والدعوة السلفية الوقوف مع حكومة عبد الفتاح السيسي المدعومة من الجيش، فيما عارضا بقوة الإخوان المسلمين. وقد تحدت هذه الاصطفافات السياسية المفاجئة كيف نفهم علاقات السلفيين مع الجيش المصري ومجموعات إسلامية أخرى، ولفتت أيضاً انتباهاً معتبراً إلى الحركة السلفية.

حين يدرس الصحفيون الحركة السلفية يتجولون في شوارع حارات ميامي وأبي سليمان أو المندرة، باحثين عن شخصيات تؤكد فكرة مسبقة عن مدينة صارت سلفية ومتجانسة، وتمدّ في عمر فكرة التدهور الدوري للكوزموبوليتانية الإسكندرانية. (4) يناقشون شظايا من تاريخ الإسكندرية، ويسيرون بتوق في دهاليز فندق سيسل، الذي يجسد هذا الماضي الخيالي ومركز هذا النزوع إلى الحفلات في روايات داريل. وما يزالون ينخرطون في التاريخ بطريقة انتقائية غير مدركين، على الأرجح، للدلالات الإقصائية للرؤية الأدبية الكوزموبوليتانية. 

من الصعب معالجة الخيال الغربي حول الإسكندرية. ذلك أن العودة إلى حوليات الأدب الأوربي قد تكون إدمانية، وطريقة سهلة لإرواء ظمأ الحنين. وكما يقول عمرو علي، إن “العالم الغربي ينظر إلى الإسكندرية بالطريقة التي ينظر بها العالم العربي إلى قرطبة. إنها تلهب الخيال. فالإسكندرية هي مخطط أو برنامج عمل للحضارة الغربية”. (5) إن الاستغراق في الذكريات عن مقاه مليئة بالأوروبيين (والتي حُظر دخولها على المحليين المصريين الذين ليسوا من النخبة على الأرجح)، وعن سائقي تاكسي يتحدثون اليونانية، وبحارة بريطانيين ينزلون في المرفأ من أجل بعض الراحة، يعني تجاهل تاريخ غالبية الإسكندرانيين. وأكيد أن هذا الحنين إلى الكوزموبوليتانية لا يفعل أي شيء كي يضيء وجود حركة دينية كالسلفية التي، فيما هي متأصلة ومشهورة، ليست متجانسة داخلياً ولا مهيمنة في المجتمع. وتأتي إدامة هذه الطرق في تخيل المدينة على حساب محو فترات طويلة من التاريخ، وتنطوي على مجازفة تمجيد الثقافة الأوربية. 

\"\"

[سينما ريو الإسكندرية. تصوير محمد قطب.]

\"\"

[سينما ريالتو حيث تقع الكابينا الآن، الإسكندرية. تصوير محمد قطب.]

 يستطيع المرء القول إن الإسكندرية تُظهر اليوم عدداً من السمات الكوزموبوليتانية، هذا إذا فصلنا المصطلح عن الدلالة التي ورثها من أعمال داريل وفوستر وكفافيس. فالإسكندرانيون يواصلون الشعور بأنهم ينتمون إلى جماعة كونية في الوطن، لكن طموحاتهم وإبداعهم يتجاوزون في الوقت نفسه حدود مدينتهم، ويدفعونهم إلى إعادة ابتكار طرق لسكن مدينتهم وتاريخها. وتعاود الإسكندرية إحياء الحياة الفنية في أمكنة القرن العشرين الأولى المهجورة التي أعيد تأهيلها وبعثها من جديد وفُتحت للجميع، مثل الكابينة، والتي هي مكان فني لجماعة يقع في غرفة الكونترول المهجورة لسينما ريالتو المغلقة الآن، أو وكالة بهنا، وهي مركز مخصص للسينما يقع في ما كان مرة مكاتب توزيع الأفلام العائدة لعائلة بهنا. وهناك عدد كبير من الكتاب والمترجمين والباحثين الشبان يدعون الإسكندرية وطناً حتى ولو شعروا لوقت وجيز بخيبة أمل في الأزمة التالية للثورة، ويواجهون غالباً العواقب الوخيمة للتوظيف النادر.

إن مدينة مصر الثانية هي موضع لبارات مخبأة من الصعب العثور عليها (مثل سبيت فاير)، وزوايا المساجد (بعض الحارات مثل باكوس فيها دزينات من الزوايا). ذلك أن الإسكندرية موقع مقاومة. فيها أصوات محلية مكافحة (نادراً ما غطاها الإعلام) والكثير من النشطاء العامين مثل ماهينور المصري، وكلهم يواصلون الاحتجاج من أجل إطلاق سراح السجناء السياسيين والدفاع عن اللاجئين والقتال من أجل المجموعات المحرومة من حق الانتخاب. واليوم، يلتقي في الإسكندرية مهاجرون من أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ويهدف كثيرون منهم إلى مواصلة طريقهم إلى أوربا، بينما يقرر البعض البقاء. إن المركّب الإثني والثقافي الجديد للمدينة ليس ناجماً عن الهجرة القسرية فحسب، بل أيضاً عن طرق السفر العالمية الجديدة. وقد التقيت مؤخراً بدزينات من المراهقين الأندونيسيين الذين يرتادون مقاهي جديدة في شارع فؤاد، حيث عاش داريل مرة، وهم يعيشون في الحارة ويدرسون في مركز العربي. 

في كتابه الجديد يتحدث سامولي شيلك عن بالغين شبان جاؤوا بالأصل من قرية خارج الإسكندرية، لكنهم إما يعملون في المدينة أو يعيشون في حارة المندرة الشرقية. ومن خلال استقصائه لغموض التزامهم الديني، ولأحلامهم وتطلعاتهم، يحاول استقصاء معنى الكوزموبوليتانية. وفي ضوء هذا العمل الإثنوغرافي يرى الكوزموبوليتانية سيرورة فعل وخيال، متأصلة في “طلاقة الحركة والانتماء إلى العالم”. فالإسكندرانيون هم كوزموبوليتانيون لأنهم “يطمحون إلى جعل الحداثة العالمية لهم، دون أن يصبحوا متجانسين أو مرتبطين بشكل كامل بالمعنى الذي أثارته العولمة”. (6)

إن أحياء الطبقة العليا والسفلى في المدينة، التي تنتشر على الكورنيش وتتنامى في الصحراء، تتاخم بعضها بعضاً على نحو جميل. ذلك أن الإسكندرية توجد خارج الثنائيات المزيفة، دون جيوب طبقية محددة وحدود جغرافية أو تاريخية واضحة. ويعيش الإسكندرانيون في مدينة ساحلية تتسم، بطبيعتها، بحركة الأشخاص والأفكار. وهم فخورون بهويتهم، ومتأصلون في تاريخ كوزموبوليتانية متعددة الطبقات، ويواصلون مد يدهم نحو العالم الذي خارج مدينتهم. وتعيش المدينة صراعاً متواصلاً كي تعرّف هويتها ومستقبلها، وتفهم ماضيها في آن واحد معاً. أما بالنسبة للغرباء، وبعض الموجودين في الداخل (بما أن الحدود دوماً ضبابية)، فإن فهم جوهر المدينة المتغيّر وتجريبه مشروطان برفض الذكريات الاستعمارية حول الكوزموبوليتانية، وتجاوز الرؤى المانوية للتاريخ.

[ترجمه عن الإنجليزية أسامة إسبر]

 

* يشير عنوان هذه المقالة  إلى عنوان فيلم يوسف شاهين لعام 1989 “إسكندرية كمان وكمان“. الفيلم هو الجزء الأخير لفيلم من ثلاثة أجزاء يستقصي السيرة الذاتية. وهو يتبع ”إسكندرية ليه؟“ (1978)، و”حدوتة مصرية“ (1982). ولد شاهين لأم يونانية وأب سوري وأمضى السنوات العشرين الأولى في الإسكندرية. يشكك الفيلم بجوهر ”كونك إسكندرانياً“. إن الجزء الثالث يعبر عن شعور بالضياع، وكما تقول حليم: ”ما يعبر عنه شاهين درامياً في هذه المتتاليات هو ندب المخرج يحيى الذي لم يُحل لتلك الخسارة الفردية التي تتزامن مع إحساس بالهزيمة القومية، وقد أُنجز كل هذا من خلال أيقونات المدينة الهلنستية. وتخدم هذه السيرورة، بدورها، كأداة لتأملات شاهين حول أساس أساطير المدينة. ”هالا حليم“، في كونك إسكندرانياً، ”الأهرام ويكلي“، 11 نيسان، 2002، الطبعة 581. 

** أود أن أشكر ماجدة مجدي، وعمرو علي وبويان جيراسيموف لتوجيههم، وتعليقاتهم وللانخراط في نقاش مثمر حول الكوزموبوليتانية والسلفية في الإسكندرية.  

————————————————————

هوامش

[1] إن مشاريع الأعمال التي تعود إلى بداية القرن العشرين في الإسكندرية تميل إلى تعزيز نفسها بإشارات نوستالجية مشابهة إلى ماضي الإسكندرية الكوزموبوليتاني.  ففي مطعم الشرفة داخل ديليس، والذي كان اصطبلاً في الإسكندرية منذ 1922، يستطيع المرء أن يشاهد الجدران مزينة بالعلامات التجاربة لـ “الإسكندرية الكوزموبوليتانية”. وقد عجّ الفيسبوك مؤخراً بصور قديمة بالأسود والأبيض للإسكندرية، وعادة تظهر أبنية استعمارية، والشاطئ ومنطقة محطة الرمل التي يتشاطرها الإسكندرانيون.    

[2]  يشير مصطلح عرب كما يُستخدم في هذه الأعمال الأدبية إلى غير الأوربيين، بما فيه المصريين ولكن أيضاً إلى المجموعات التي جاءت من بلدان الشرق الأوسط. 

[3] Lawrence Durrell, The Alexandria Quartet: Justine, Balthazar, Mountolive, Clea (London: Faber and Faber, 1968), 49, 55.
[4] Such as in Takis Würger, “Mein Freund, Der Salafist,” Der Spiegel, November 2013.
[5] Ali, “Alexandria and Activism--Translating Memory, Mythology and Utopianism.”
[6] Samuli Schielke, Egypt in the Future Tense: Hope, Frustration, and Ambivalence before and after 2011 (Bloomington: Indiana University Press, 2015), 153.

سَلَميّة، أمُّ القاهرة

بين انقضاء أجل ربيع وبدء فصلٍ حائرٍ من الغبار، بين انتصارات أحلام اليقظة وفوحانات الهزائم الدهرية القِدم، بين أنهارٍ ممددّةٍ على خرائط دروس الجغرافية وعطشٍ طفوليِّ الشغف، بين قصائد وأغانٍ تمشّط شعر الريح الضجرة وحناجر تصرخ بجمرٍ مطفأ .. بين هذا الركام الآدمي المدثّر بسماءٍ مشققة ذات عيون من طين وآذانٍ لم تند منذ عصورٍ لفحيح الابتهالات .. وسط هذا العبث، تجثمُ سلمية على سفرها المكتوب بمناديل التلويح التي ربما كانت ذات وجدٍ مضى أو ذات وجدٍ آتٍ زرقاء ..

هنا الأخضر دقّ أوتاد خيامه، هنا كانت قنوات الكسل تجري وتجري لا تلوي على غياب، هنا كتب العصاة أسفارهم، هنا شغفُ المتنبي .. وهنا سكب بعضهم ماء وجدهم الإلهي حتى اخضرت كفّا الله .. وهنا الأخوة أراقوا دم الذئب على قميص أخيهم الذي كانت تحمله قافلة مصر غرباً و غرباً حتّى سواحل الأطلسي ..
وهنا كم ملأ ديك الجن أكؤسه على ندمه الوردي اللون … هنا حفرنا قبور الأجداد لنزرعها بالقطن .. وهنا انقطع آخر خيطٍ بيننا وبين الإله ….
هكذا يدلل السلميون على خيباتهم، وهكذا يحتفون بالهزيمة حينما الجميع يهللون لأمجادٍ كاذبة .. هكذا يحتفون بانقضاء أجلِ ربيعٍ لم يأتِ أصلاً، ويحتفون بحمّى عطشهم الباسق كمآذن الريبة، يكتبون ضحكهم على أفول الأعمار، لهم جنة من يباسٍ عرضها جسد الريح، ناياتهم وحدها تعرف كيف ترتب فوضى غضب الطبيعة، حيث الكلام له صدر أعمارهم، يتحلّقون حوله باسطين خطاياهم بين يديه، ونساؤهم مشغولات بإعداد مؤونة أولادهنَّ الراحلين إلى جهاتٍ ليست صالحة للأحلام .

سلالات :
" العمر شاقٌّ لولا الشعر " هكذا يقول السّلمي، ولربما قالها عجوز قبل مائة عام، حيث الليل أطول من انتظاره، وحيث كان الشتاء يومها أمّاً، والريح تحرث لهاث الكروم في طمأنينة وادعة، " لو لم يكن في الدنيا عتابا - " يا الله كم أنت شفوق بعبادك ..
هنا ندمٌ كالحٌ اسمه الشعر، حين تتساقط قصاصات الحب من جيوب التلاميذ على دروب المدارس، ولربما يحشى ما تبقى في شقوق الجدران خشية مباغتة الأستاذ لتفتيش الصفحات الأخيرة من دفاتر الحساب .
كلُّ شيء هنا مرهون لهذا الفتى المدلل الذي اسمه الشعر، الحبيبات والأمهات والفصول والأعمار، فدى عينيه، قداسة العصيان تسكب قدّام قدميه، لا شيء هنا له المطلقُ إلاه، ولا شئ له إغراؤه، حقائب السفر نحو مقاعد درس المدن فارغة إلاّ منه، حيث تُترك الكتب السرية محفوظة لدى أمّهاتٍ لا يقرأنها مخبوءة في عنابر القمح وفي طيّات وسائد الحبيبات .
سلالات من الأسماء تترنح على خارطة الشعر العربي ضمتها دفتي سفر هذه المدينة العجيبة، أغمض التاريخ عينيه عن أسماء وأسماء حومن حولها ولربما كانت فيهم أو كانوا فيها .. امرؤ القيس يقطع براريها دون ذكرها في رحلة عذابه الثأرية، عمر بن كلثوم يتغنى بخمرها الذي دوّى صداه على ملء رمل الجزيرة "ولا تُبقي خمور الأندرينا " حين الأندرين هي امتداد لسهول سلمية صاحبة الشهرة العظيمة بأعنابها ومعاصر خمورها - بين المدينتين 40كم - .
أبو تمام يقف أمام باب ديك الجن منتظراً الإذن بالدخول بينما الأخير الذي غص مجلسه بالندماء والشعراء والمريدين يوزّع على ضيوفه الشعر والبشاشة والكؤوس التي لا تفرغ من الخمر أبداً ..
علامة سلمية الشعرية الفارقة كانت - أحمد بن الحسين - والذي لم يكن متنبئاً لولا ركونه الدائم للقرامطة - عصاة العصر- وجعله من سلمية ملاذه ومنجاه كلما ضاقت به السبل وفسحة الكلام وسماء السماوة .
يضعف القرامطة وتبهت ألوان مدينتهم - سلمية - ليقع المتنبي أسيراً بيد عامل الإخشديين على حمص ويعتقل في " كوكتين " - الآن كيتلون 5 كم شمال سلمية- والتي كانت مقر أمراء أعراب الشام المتعاطفين مع العصاة، ويساق موثقاً بقيدٍ من خشب الصفصاف إلى حمص ليذوق مرارة السجن وجزاء من يقول لا في عصر اتفق فيه الجميع على كلمة نعم، ويوثّق المتنبي قصة اعتقاله بقوله :
زعم المقيم بكوكتين بأنه من آل هاشم بن عبد مناف
فأجبتهُ مُذ صرتَ من أبنائهم صارت قيودهم من الصفصاف

يعود المتنبي إلى سلمية بعد سنوات مع سيف الدولة لتظهر المدينة في قصيدة يصف فيها معركة جرت في بواديها فيقول :
تثيرُ على سلمية مسبطرّاً\\ تناكر تحته لولا الشّعارُ
لكن هذه العودة مختلفة فقد خلت المدينة من العصاة وغدت يباباً تتلاقفها أيدي دويلات الشام الواهنة، ينام الشعر طويلاً وينام حس العصيان لدى أبنائها ليصحو مع بداية بنائها الأخير عام 1848 حيث تتالى قوافل عائلات سكان جبال ساحل الشام وسهل عكار ويعود الشعر على أيدي أمراء العتابا علي زينو وبدر القطريب ثم يبدأ آل الجندي سلالة الشعر والتنوير على يد أحمد الجندي وأخوه أنور ومن ثم أبناء أخيهما، الأكبر الدكتور الطبيب سامي الجندي و السياسي والأديب والمترجم المشهور ووزير إعلام حكومة 1963وسفير الثقافة العربية في فرنسا لسنوات طويلة والذي نقل إلى العربية رائعة أراغون " مجنون إلسا " وأول من عرّف القارئ العربي على إيزابيل الليندي بنقله “بيت الأرواح” عن الفرنسية وصاحب “كسرة خبز” و”سليمان” كتابه الأخير الذي كان بمثابة سيرة ذاتية للمدينة ولجيل كامل هزَّ في يومٍ من الأيام جزع الحلم فلم يتساقط عليه سوى الخيبة .


الأخ الثاني لأسرة آل الجندي هو أبو لهب الشاعر علي والذي لم يتقن مهنة وعلى مدار سنوات حياته سوى الشعر، صاحب الصوت المتفرّد في المشهد الشعري العربي الحديث، والذي هو من أكثر الشعراء العرب المعاصرين إخلاصاً لحالة الشاعر، وكأني أراه الآن يحفظ طاولات مشارب البلدة عن ظهر قلب ولهاثه وضحكه واحمرار وجنتيه لمّا يزل مائلاً على غبش كاساتها. عاصم الجندي الصحفي والروائي والأديب وصديق كارلوس وحافظ أسراره وصاحب القلم النقدي اللاذع والذي توفي ودفن في لبنان منذ ثلاثة أعوام، إنعام القاص والروائي والناقد والمتنقل بين باريس ونيويورك كذلك خالد النقابي والمناضل البارز والذي تنقل وفصائل منظمة التحرير بين بيروت وتونس حتى استقر به مقام الموت في غزّة حيث دفن هناك.


الملفت في سلمية أنها أثرت المشهد الشعري العربي الحديث عموماً والسوري خصوصاً بأسماء لم تجتمع لمدينة من المدن، وقد قيل نقدياً عن ثالوث قصيدة النثر المتمثّل في (سليمان عوّاد، محمد الماغوط ، إسماعيل عامود ) وهم أبناء المدينة ومن جيل متقارب نسبيّاً حيث كتبوا وطبعوا في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، ولعل الماغوط صاحب التجربة الأهم والذي شرب من راحتيه معظم من كتب قصيدة النثر من بعده،  وإذا ما سألته أن يزورها يقول " ... إلى أين أذهب، من أعرفهم ماتوا، والبلدة تغيرت، الناس والشوارع وحتّى الهواء لم يعد ذاك الذي أعرف، والمحبون كرماء لا تنقطع إمداداتهم من أخبار وعرق بلدي وفطائر السلق)، دونما سلمية ينفّذ محمد الماغوط شيخوخته وحيداً، ويقيناً يعرف أنها لم تزل كما قال عنها قبل ثلاثين عاماً أن " لسنابلها أطواقٌ من النمل / إلاّ أنها لا تعرف الجوع أبداً ... " فايز خضور يسترق أخبار البلدة وناسها من كل قادم، وحيداً هو كذلك في دمشق، دائماً له شروح على هوامش فلسفة النزق، أكثر شعراء سلمية تأثُراً بجفاف البلدة وصحرائها وريحها، يتظاهر أنه مرتاح من علاقاتها التافهة، ولا يعنيه أن يكون بعيداً عنها شيئاً، لكنه وكأني أراه موشوماً بفقدها، وربما تمنى أن تملأ أذنيه بالغبار من جديد، أو أن يعود إلى نفس الزاوية ويشرب من نفس كأس النبيذ على ذات الطاولة في خمارة أبو بسام سيفو.


سلالات شعرية مرخية في فضاء المشهد الشعري السوري كجدائل امرأة افريقية أفرزتها البلدة خلال عقودها الستة الأخيرة، الأسماء كثيرة وكثيرة جدّاً،/ أكرم قطريب، علي سفر، خضر الآغا، مخلص ونوس / مولعة بانكسارات المعلمين السابقين للمهنة، لكن على ما يبدو هم أكثر رقّة وأكثر إخلاصاً للبلدة من سالفيهم.
علائق الغرابة التي تربط هذا الوسط مع مفردات خاصة بإرادة الحياة / الخمر، العصيان، الشّعر، و الأهم الجنون /، علي الجندي على ما يُروى يسرّ لصديقه ممدوح عدوان حين رأى سيّدة صغيرة وجميلة مع طفلها في أحد شوارع دمشق أنه يحمد الله أن أمهاتنا لم تكن كذلك !؟، صديقي الشاعر أكرم قطريب يتصل أسبوعياً بي من أمريكا ليقول لي بأن " ضع سماعة الهاتف باتجاه الشارع أريد أن أسمع صوت الطراطير "، والطرطورة شاحنة بدائية محلية الصنع ذات صوت مزعج جدّاً وتعمل بمحرك دراجة نارية. المرحوم أحمد الجندي يقرأ في الصحيفة قصيدة لأحد الشعراء وهو من أبناء البلد يقول في نهايتها " ويبصق في وجهي القدر " يتصل الجندي بمقهى الهافانا ويطلب الشاعر صاحب القصيدة وكان يعرف أنه يتواجد هناك ليسأله بتهذيب : هل أنت الأستاذ فلان فيجيب الشاعر بنعم فيبصق أبو حيان مباشرة عبر السماعة، فيغضب الأخير ويصيح من المتكلم فيقول له الجندي أنا القدر ؟!


جانب مهم آخر لصعاليك سلمية هو هذا الإصرار الدائم على تركها والاغتراب عنها، وكل منهم هو عاصمة ثقافية مستقلة وعلى طريقته أينما حل، تجوال وحقيبة صغيرة وجسد يحمل عينين خاويتين وروحاً نهمة وبضعة أصابع تتلمس العالم المفتوح على العراء، أهل البلدة عموماً منتشرون في أصقاع العالم، تشعر أن الغربة لديهم لا لغاية السفر ولا لجمع المال وتحسين الأحوال .

مشاهد 

تجثم سلمية على مساحة ممتدة من الغبار والعطش والحصار، وتبدو للقادم إليها كوشم في يد الصحراء المعروقة، تدخل شوارعها لترى كيف تتداخل روائح غناء البدو بخمارات بائسة يعرف أهل البلدة أمكنتهم فيها جيداً بالسيارات العتيقة الصفراء المكدسة في ساحة البلدة كالسلاحف الإستوائية، بمساجد أنيقة وجميلة بدون مآذن "لهم فلسفة طريفة مفادها أنك تستطيع الوصول إلى الله دون أن تصعد سلّماً". الحمام الأثري في وسط البلدة معلم أثري جميل وهو صغير نسبياً ولكنه أنيق، وقد أغلق منذ أن جفت مياهها الجارية وقنواتها في بداية الخمسينيات .
الفندق القديم الفرنسي الطراز والذي تقاسمته فيما بعد وزارة الثقافة ولاعبو النرد والمقامرون وأخيراً السكارى .
بقايا سور البلدة الأثري القديم والذي هدّم لتشيد مكانه دارٌ للحكومة " فقد ملّت الأخيرة أن تكون بدون دار و تضطر للمبيت في الشارع " وها جلست الحكومة في دارها الجديدة بعد أن أخرجت التاريخ وتركته وحيداً يتجوّل في أزقة البلدة .
قلعة شماميس الجاثمة إلى الشمال الغربي من المدينة، تتويج لصمت التاريخ وغموضه، سرّها في هذه الرهبة العارمة التي تنتاب الزائر لها، من أغرب قلاع الشام بناءً و أكثرها منعة، لكي تصلها يجب أن تصعد تلاً شديد الانحدار ثم خندقاً عظيماً يلفها بشكل دائري ربما كان يملأ بالمياه فيما مضى، وبين أبراجها بئر عظيمة الفوهة شديدة العمق تحتار في سر حفرها وجدواه في هذا المكان العالي والضيق، وثمة عدّة آبار تخزينية أخرى ... المهم في الموضوع أن ثمة طراز بنائي كان سائداً في العصور السحيقة لم ينتبه له المهتمون، قوامه العبث .
في وسط البلدة مسجد ومدفن أثري مبني من البازلت يسمّى مسجد الإمام إسماعيل صاحب المقام هو رضي الدين عبدالله، ولا أدري لم يسميه أهل البلدة بالإمام إسماعيل، وعلى عادة مساجد الشام ترى وبشكل واضح في جدران وتضاعيف المسجد الرموز والمنحوتات الوثنية اليونانية ثم المسيحية بعهودها المختلفة وأخيرا الإسلامية، وقد كان قبل سنوات داثراً وخرباً بعد أن احترق التابوت الذي يضم الإمام المذكور وليكتشف بمحض الصدفة أن داخل الجدث هناك أكوام من المخطوطات النادرة المكتوبة في الفترة السرية من الدعوة الإسماعيلية ومعظمها في الفلسفة والعقيدة والتأويل، وقد ذهب هذا الكنز رماداً تذروه رياح الإهمال، تم ترميم المسجد في فترة قصيرة على يد سلطان البهرة (شق من الإسماعيلية) وأتى يوم افتتاحه أناس من الهند وباكستان وأوربة الغربية وكندا، وحيث غصت البلدة بالالآف من غريبي الوجه واليد واللسان، وأتموا طقوسهم ثم غادروا كما حضروا دون أن يدري بهم أحد.

تراث البلدة وفولكلورها وخاصة الغنائي منه

فولكلور جميل ومميز وغريب، خلطة عجيبة من بدو الصحراء وعتابا الجبل وكربلائية مجلوبة من تحت سرير الفرات، يقصد أهالي المناطق المجاورة والبعيدة مغنياً وشاعراً شعبياً هو صادق حديد والآن ولده محمد لكي يحتكموا لديه في تفسير بيت من العتابا أو يسمعوا قليلاً من شدو ربابته البدوية .
تتمشى في متاهات البلدة التي ربّما زوراً تسمّى شوارع، يلفت النظر هذا الكم الغريب من المجانين العقلاء، " أبو حجر، جندل، ألوز يشتم الناس على جميع أوزان الشعر ويحصل على كفاف يومه من شتائمه المقفاة .... "
يتكلّم الناس بأسى عن أشخاص انضموا إلى هذه السلالة و بالأمس كانوا معلمين و أطباء وربما مناضلين سابقين ...".
الليل فسحة أهل البلد ومنجاهم من الاختناق، عند أوّل حلوله يعرف الناس أمكنتهم جيّداً في مشارب وخمارات البلدة البائسة / سقراط، الجندول، العرزال، القوس، سيسيليا، جيتان، أبو العبد وردة، أبو بسام سيفو .../ أسماء لأماكن ينحشر الناس فيها ليلاً كراكبي الحافلات، كل يرخي بهمومه على طاولةٍ مطوّبة على اسمه، وسط دخان السجائر والأضواء النائسة تشرئب أعناق الأحلام ويعلو الضحك المخنوق وتتعرى الهزيمة حتّى آخر الشهوة .
أشخاص مرّوا في سفر المدينة لم يُذكروا إلاّ لماماً‌، اختاروا الهامش حينما هامشهم أثمن وأقوى من متون صفحاتنا، أبو علي حسين الحلاق، تعرفه بيروت ولندن ونيقوسيا والقاهرة وأسمرة وبغداد، ولم يعرفه أبناء مسقط رأسه إلا حينما جاءها مسجّى، رجل الأحلام القومية وصديق عبد الناصر وخليل الوزير وصاحب دار الكلمة، دار نصف المعمورة ليعود من منفاه اللاطوعي لكي يوارى الثرى في أحضان البلد .
شخص آخر لا بد من الإشارة إليه هو أبو علي برهان النظامي الفنان والملوّن الجميل، وحيداً تراه في مرسمه وبين أكداس من اللوحات، يتعامل مع اللون بهوس غريب ويرسم طالما بين يديه عصارات الألوان، في بيته تساءلت عن سر وجود لوحة تجريدية على باب خم الدجاج، فخبرني ضاحكاً أنه أراد أن يرسم فلم يجد قماشاً ولم يكن يملك ثمنه فرسم على باب بيت الدجاجات، دائماً يتكلم بأسى ويقول إنه يرسم لسيارة القمامة، حيث ينظف مرسمه بين الحين والآخر ويضع اللوحات في أكياس لتأخذ مكانها بين أكداس الزبالة، أساه الأكبر في وحدته وفي فقد أصدقائه، وذروته أن صديق عمره سامي الجندي مات بين يديه .

أرقام وأسماء :
سلمية، مدينة قديمة مرّت عليها عهود العموريين، الآراميين، الآشوريين، الكلدان، اليونان، الرومان ...
سُميت بهذا الإسم تخليداً لذكرى معركة سلاميس البحرية 480 ق.م التي جرت بين اليونان والفرس وانتصر فيها اليونان بقيادة القائد " تيمو ستوكل ".
اشتهرت منذ القديم بالأقنية الآرامية الرومانية التي زاد عددها عن 300 قناة تروي بحدود مساحة 1000 كم مربع .
تقع في سهل أفيح مترامٍ ذي هواء نقي إلى الشرق من حماه بحدود 33 كم وشمال شرق حمص بحدود 45 كم بين نهر العاصي وجبال البلعاس والبادية الشامية .
خربها كسرى ابرويز عام 602 م وأعاد بناءها العباسيون عام 132 هجري، كما جرت فيها المعركة الفاصلة التي أعلنت سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية في مرج الأخرم غرب سلمية على بعد 5 كم عنها .
أصبحت مع بداية القرن الثالث الهجري مركزاً لدعاة الدولة الفاطمية، ومنها خرج الإمام الإسماعيلي محمّد المهدي إلى شمال أفريقيا عام 289 هجرية، وبايعه العرب الأفارقة وقبائل البربر في مدينة سجلماسة كأوّل خليفة فاطمي عام 297 هجرية . ثم لتتوسع الدولة الفاطمية بعد فتح مصر وبناء مدينة القاهرة على يد المعز لدين الله الفاطمي وقائده جوهر الصقلي، واستحقت سلمية أن يسميها طه حسين بأم القاهرة .
خربها القرامطة بعد عملية نزاع داخل الدعوة عام 290 هجرية بعد أن قتلوا كل سكانها " خرجوا منها وما فيها عين تطرف " .
أعاد بناءها الأيوبيون مع بداية الحروب الصليبية وجعلوها مقراً خلفياً لقواتهم المحاربة لقربها من وادي الفرات ومناطق الإمداد في الشرق، ونظراً لأهميتها الجغرافية والحربية والاقتصادية وقع خلاف داخل الأسرة الأيوبية بين صاحب حماه وصاحب حمص على ملكيتها.
خرّبها تيمور لنك عام 803 هجرية، وظلت على خرابها حتّى عهد السلطان العثماني عبد المجيد حيث أمر بإعادة بنائها عام 1848 م مع تسهيلات لساكنيها من إعفاء من الجندية والضرائب وتمليكهم أراضٍ خصبة للزراعة، وتواترت أسر من جبال الإسماعيليين في الساحل السوري وسهل عكار وبعض المناطق الأخرى وتمتد المدينة وتتوسع ويعمر ريفها بالعديد من القرى والمزارع والضياع .
أصابها الجفاف عام 1950 م حيث جفت أقنيتها ولاحق الناس الماء في باطن الأرض وسط فترة ما يسمى بجنون القطن، ويبست كرومها وبساتينها وتركها قسم من سكانها وهم الآن موزعون في كل أنحاء العالم .
أشتهر أهلها بتنوّع مشاربهم الفكرية ونزوعهم القومي وحبّهم للثقافة والإطلاع ربّما أكثر من أي مدينة أخرى، وخرّجت العديد من الشعراء والمفكرين في كافة مناحي الثقافة والعلوم.